- البرنامج النووى مصدر فخر لطهران.. ومن المرجح أن تستمر فيه
- ترامب يسعى إلى مَخرَج وقد يفكر فى «إعلان النصر» لأن الوصول لـ«جسر ذهبى» فى التفاوض صعب
رأى الدكتور مهران كامرافا، المفكر السياسى الايرانى ورئيس وحدة الدراسات الإيرانية بالمركز العربى للأبحاث ودراسة السياسات بقطر، أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تمثل نقطة تحول رئيسية فى تاريخ الشرق الأوسط، موضحًا أن التوصل إلى تسوية دبلوماسية أو العودة للتصعيد العسكرى كلاهما أمران واردان، نظرًا لطبيعة التطورات غير المتوقعة التى صاحبت هذه الحرب منذ البداية.
وأشار المفكر الإيرانى، خلال حديثه لـ«الدستور»، إلى أن الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، يبحث حاليًا عن مَخرَج من هذه الحرب، رغم صعوبة الوصول إلى «جسر ذهبى» خلال التفاوض، مشيدًا بدور مصر المهم، باعتبارها قوة مؤثرة فى الشرق الأوسط، فى نقل المعلومات والرسائل بين مختلف الأطراف، والضغط من إجل إنهاء الحرب فى المنطقة.
■ بداية.. هل تسير التطورات الأخيرة فى مسار المفاوضات بين واشنطن وطهران نحو تفاهمات دبلوماسية أم تصعيد عسكرى؟
- أعتقد أن التسوية الدبلوماسية أو التصعيد العسكرى كلاهما احتمالان واردان، نظرًا لطبيعة التطورات غير المتوقعة، ولأن الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، لم يحسم أمره بعد بشأن تجديد الصراع العسكرى أو الوصول لتسوية دبلوماسية، لذا فالأمور قابلة للتغيير، وكلا الاحتمالين وارد.
وفى الواقع، ليس الأمر بالضرورة خيارًا بين الاحتمالين، فهناك افتراض بأن ترامب يرغب فى خوض معركة سريعة وحاسمة أخرى، وبعدها قد يعلن النصر العسكرى الحاسم فى الحرب.
وفى المقابل، أثبت الإيرانيون أنهم أكثر صمودًا مما توقعه الأمريكيون والإسرائيليون، وإذا ما حدث تصعيد عسكرى جديد فقد صرّحت إيران بأن هذا التصعيد سيتجاوز منطقة الخليج العربى، ولن يقتصر على استهداف مواقع أمريكية فى المنطقة، بل سيوسع نطاق الصراع بشكل كبير.
ولذلك يبدو أن الرئيس الأمريكى يسعى إلى مَخرَج، لكن كيفية الوصول إلى ما يُسمى بـ«الجسر الذهبى» أمرٌ صعب، وأعتقد أنه من المهم أيضًا التذكير بوجود ورقة رابحة إسرائيلية، فهذا ليس مجرد صراع بين إيران والولايات المتحدة، بل هناك إسرائيل عمومًا، ورئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو خصوصًا، والمعضلات السياسية الداخلية المقلقة له، وأنه قد يلجأ إلى الهجوم لتغيير الخريطة السياسية داخل إسرائيل.
■ ما الذى يمكن أن تفعله الولايات المتحدة إذا ما أرادت تجنب حرب أوسع فى المنطقة؟
- الإيرانيون يواصلون بذل جهود دبلوماسية، وسبق أن قدموا عروضًا متكررة لم يتقبلها الرئيس ترامب شخصيًا،ولذا غالبًا ما تكون تصريحاته تحريضية، ناهيك عن تناقضها، ومنشوراته على منصة «تروث سوشيال» وتصريحاته للصحافة قد تكون شديدة التحريض، لكن ما نراه من الجانب الإيرانى هو موقف مختلف تمامًا، حيث يبذل الإيرانيون جهودًا دبلوماسية كبيرة لإنهاء الحرب.
لذا نرى أن الولايات المتحدة ترغب فى نجاح الدبلوماسية، والسؤال هو: ما الدور الذى يمكن أن تلعبه الولايات المتحدة إذا أرادت تجنب الحرب؟ والإجابة هى أنه يمكنها ببساطة قبول «إعلان النصر»، لأن الرئيس ترامب جعل مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية شخصية للغاية، وبالتالى يمكنه بتصريح واحد إنهاء الحرب والتوصل إلى خاتمة للصراع.
■ كيف ستتصرف الإدارة الأمريكية إذا انهارت المفاوضات تمامًا؟
- ما نشهده هو نقاشات جادة تجرى خلف الكواليس، والمفاوضات لا تزال جارية. ورغم أنها لا تنهار تمامًا إلا أنها أبطأ وأقل حدة، مقارنةً بفترات أخرى. وبالتالى، إذا انهارت هذه المفاوضات فإن رغبة الولايات المتحدة وإسرائيل فى مهاجمة إيران تبقى واضحة للعيان، فلا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بقوات كبيرة فى المنطقة، وكذلك إسرائيل، ونسمع تصريحات من شخصيات سياسية وقادة عسكريين أمريكيين وإسرائيليين تفيد بأن الحرب قد تُستأنف فى أى لحظة، كما نسمع الإيرانيين يقولون إنهم على أهبة الاستعداد لإطلاق النار، وإنهم لا يثقون بالأمريكيين، حتى عندما يؤكد الأمريكيون أن المفاوضات جارية.
■ إلى أى مدى يمكن أن توافق واشنطن على مطالب طهران خلال المفاوضات، ومن بينها الوقف التام لإطلاق النار وفك الحصار البحرى؟
- هناك أيضًا قضايا رئيسية أخرى محل خلاف، وهى بالغة الأهمية من الجانب الإيرانى، وتشمل هذه القضايا الملف النووى، ومدة تجميد تخصيب اليورانيوم، إذ وافق الإيرانيون على تجميده لمدة ١٢ عامًا، بينما يطالب الأمريكيون بـ٢٠ عامًا.
وهناك أيضًا مسألة العقوبات الاقتصادية، وتجميد الأصول الإيرانية فى الولايات المتحدة وغيرها، بالإضافة إلى سيطرة إيران على مضيق هرمز، وضمانات وقف إطلاق نار دائم، حتى لا يهاجم الأمريكيون أو الإسرائيليون إيران مجددًا.
وأعتقد أن البيت الأبيض قد أظهر بالفعل أنه لا يولى اهتمامًا كبيرًا لمضيق هرمز، ومن المفارقات أن الإيرانيين أنفسهم لا يعرفون ماذا يفعلون به، بل إنهم يستثنون ما يسمونه بالدول الصديقة، إذ لا يمكنهم الاستمرار فى إبعاد القطريين مثلًا إلى أجل غير مسمى، كما أنهم سمحوا لناقلات النفط التابعة للصين والهند وباكستان بالمرور، لذا يرى الإيرانيون فى مضيق هرمز فرصة سانحة، لكنهم مستعدون للتخلى عنها. ومن المهم أيضًا الإشارة إلى أن العديد من العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران صادرة بموجب قانون صادر عن الكونجرس، أى أنها تتطلب قانونًا من الكونجرس وليس مرسومًا رئاسيًا، وإن كانت هناك عقوبات أخرى يمكن رفعها بأمر رئاسى. لذلك أعتقد أن أصعب جانب فى الصراع، أو بالأحرى فى المفاوضات، هو رفع العقوبات.
■ فى ظل التطورات الحالية.. هل لا يزال مضيق هرمز ورقة ضغط استراتيجية فعّالة لإيران؟
- بالتأكيد، فقد انخفضت صادرات قطر، على سبيل المثال، بشكل كبير، بل تكاد تنعدم، مع أن الإيرانيين يسمحون بمرور بعض السفن بين الحين والآخر، أى أنه ورقة ضغط استراتيجية مهمة لإيران، وأعتقد أن هذا أمر بالغ الأهمية.
■ ماذا عن قدرة طهران على الاستمرار فى البرنامج النووى؟
- ينظر الإيرانيون إلى برنامجهم النووى كمصدر فخر ومبدأ أساسى، ومن المرجح أن يستمروا فيه، على الأقل إذا بقى وضع القيادة فى الجمهورية الإسلامية على حاله، وقد تسعى القيادة الحالية لضمان بقاء الملف النووى على حاله.
■ ما حقيقة الحديث عن وجود انقسام كبير داخل القيادة الإيرانية؟
- مجرد الحديث عن انقسام كبير لا يجعله صحيحًا، وأعتقد أن افتراض وجوده هو قراءة خاطئة للوضع فى إيران.
وحسب جميع المؤشرات والتقارير، تبدو القيادة الإيرانية متماسكة وموحدة للغاية، وهناك تقسيم واضح للمهام، إذ يدير الرئيس الإيرانى شئون البلاد اليومية، وتتولى وزارة الخارجية المفاوضات، بينما يتولى الحرس الثورى إدارة الحرب.
وإذا اعتقد البعض وجود انقسام فى القيادة الإيرانية فهم يجهلون آليات صنع السياسات داخل الجمهورية الإسلامية، إذ تُصاغ السياسة الخارجية والأمنية من قِبل ما يُسمى بـ«المجلس الأعلى للأمن القومى»، الذى يتألف من رؤساء مختلف فروع الحكومة، وقادة الحرس الثورى، وقادة الجيش النظامى، وممثلين عن مكتب المرشد الأعلى.
لذلك يمكن تخيل كثرة النقاشات والمفاوضات التى تدور، ولكن بمجرد صدور القرار من تلك الهيئة فإنه يُنفذ، وإذا كانت هناك انقسامات داخل القيادة فنحن لا نرى أى دليل عليها، والأمر يبدو أنه مجرد تكهنات أو تخمينات أو دعاية أمريكية.
■ إلى أى مدى تتفق مع فكرة أن إسرائيل نجحت فى جرّ الولايات المتحدة إلى حرب خطيرة تهدد السلام والاقتصاد العالمى؟
- أعتقد أنه فى المرتين الأخيرتين، فى يونيو ٢٠٢٥ وفبراير ٢٠٢٦، تم التلاعب بدونالد ترامب من قبل نتنياهو، وإقناعه بأن الحرب مع إيران ستؤدى إلى تغيير سريع للنظام وانهيار الجمهورية الإسلامية، وقد رأينا أن ذلك لم يحدث على الإطلاق، وأعتقد أن هذا أمر بالغ الأهمية.
■ هل أعادت الحرب الأخيرة تعريف قواعد الاشتباك بين إيران والولايات المتحدة؟
- نعم، وبطرق بالغة الأهمية، فإيران، ومع التراجع العسكرى لمحور المقاومة، قررت عدم الاعتماد عليه بقدر ما قررت توسيع نطاق الحرب أفقيًا، واستهدفت دول المنطقة، مثل الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، وقطر، والبحرين، والكويت، وهكذا، أعادت الحرب تعريف قواعد الاشتباك بشكل كامل.
وإحدى الطرق الجيدة لفهم الحرب من وجهة نظر الولايات المتحدة هى تشبيهها بلعبة «البوكر»، وهى لعبة سريعة تعتمد على الخداع، كما تعتمد بشكل كبير على قوة الأوراق فى يد اللاعب، أما الإيرانيون فيلعبون الشطرنج، وهى لعبة تتطلب تخطيطًا دقيقًا ومناورات حذرة.
وهذا ما نراه فى قواعد الاشتباك حاليًا، فالإيرانيون يلعبون الشطرنج، وقد زادوا من الضغط الاقتصادى على الولايات المتحدة، وفعلوا كل شىء، وحاصروا الأمريكيين فى مضيق هرمز بطرق لم يتوقعها الأمريكيون، وضربوا إمدادات الطاقة فى المنطقة بطريقة لم يتوقعها الآخرون، وبالتالى تغيرت قواعد الاشتباك.
■ إلى أى مدى كشفت هذه الحرب عن تراجع مكانة أمريكا العالمية؟
- هذا سؤال ممتاز، فعندما تكون دولة ما- مثل إيران- جزءًا من نمط أوسع لما رأيناه من تورط أمريكا الاستباقى فى الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين، والتراجع أو الهجوم على الجامعات الأمريكية وغيرها من مراكز النشاط والإنتاج الفكرى، وسلوك الرئيس الأمريكى المتقلب وغير المبرر وغير العقلانى فى كثير من الأحيان، فكل هذه العوامل مجتمعة تُشكّل صورة معينة للولايات المتحدة، لا تقتصر على الحرب فحسب، لأن الحرب ليست سوى مظهر واحد من الصورة.
وأعتقد أن رئاسة ترامب قد سرّعت أو كشفت عن عملية تراجع للقوة الأمريكية كانت تحدث بالفعل منذ بعض الوقت.
كيف ترى دور مصر فى محاولة تهدئة الموقف وإيقاف الحرب الدائرة فى المنطقة؟
- لعبت مصر، ولا تزال، دورًا بالغ الأهمية كحلقة وصل، وكقناة مهمة لنقل المعلومات.
وفى نزاع يونيو ٢٠٢٥، كان لمصر دور بالغ الأهمية، كان هناك تعاون وتنسيق وثيق للغاية بين وزارتى الخارجية فى القاهرة وطهران، وتواصل مصر لعب دور مهم للغاية كناقل للمعلومات والرسائل، وكقوة مؤثرة فى الشرق الأوسط، للضغط على إدارة ترامب لإنهاء الحرب.

















0 تعليق