3500 سجين لبناني في برنامج "مصالحة" مع ضحاياهم

المدن 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في سجون لبنان "عدالة" من نوع آخر، أرسيت قواعدها منذ سنة 2017، من خلال الأخوية العالمية للسجون العالمية، وبرنامج "شجرة الجميزة"، الذي يهدف إلى "عدالة تصالحية" تكمل العدالة القضائية، وتعينها في تحويل السجن مكاناً للإصلاح بدلاً من مؤسسة للعقاب.

ينَّفذ البرنامج حالياً في أربعين بلداً في العالم، من ضمنها لبنان، الذي أصبح عضوا في الأخوية العالمية للسجون منذ سنة 2011، بواسطة جمعية نوسروتو للأناشيد، وذلك بعد أن اختير مركز الجمعية مؤخراً ليكون عنوان أخوية السجون "الوحيد" في الشرق الأوسط، ويضم في هيئته أعضاءً من مصر وسوريا ولبنان.

شجرة الجميزة والخلاص
تضم أخوية السجون العالمية وفقا لرئيس جمعية نوسروتو- أخوية السجون في لبنان، الأب مروان غانم، 126 بلداً ومركز قرار في العالم. من بينها واشنطن ولوزان وغيرهما. وتعمل الأخوية على برامج حقوقية، وصحية، إلى برامج تأهيل وتوعية لعائلات السجناء. وشجرة الجميزة كانت واحدة من هذه البرامج، التي بدأ العمل عليها منذ سنة 2017، واستهدفت حتى الآن نحو 3480 محتجزاً في مختلف السجون اللبنانية.

"الجميزة" شجرة خشبها صلب كما يشرح غانم، استوحاها البرنامج من سيرة زكا العشار المذكورة في كتاب "الإنجيل".

كان زكا جابياً للضرائب ورئيساً للعشارين، عرف بقامته الصغيرة التي جعلته يبطش بالناس ليخفي ضعفه. وكان مشروع فساد بحد ذاته، إلى أن تسلق شجرة الجميزة، في لهفة لمشاهدة المسيح خلال زيارة له إلى اورشليم، فكانت هذه شجرة الخلاص بالنسبة له.

من هذه القصة استوحت أخوية السجون، لتطلق برنامجاً للعدالة التصالحية، مبني على قواعد اجتماعية قانونية، يميز الأب غانم بينها وبين العدالة الجرمية. ففي الثانية هناك محكمة وحكم وضابطة عدلية، وسجن. بينما في الأولى، هناك تصالح مع الذات، ومع الله ومع الآخر. وهذه الثلاثية هي التي تحقق العدالة المطلوبة بالنسبة للسجين.

العدالة التصالحية
لسجون لبنان في المقابل خصوصية بالتعدد دفعت إلى التوجه نحو الأبعاد الاجتماعية والقانونية للبرنامج ليشمل كل الطوائف. وهنا يشرح غانم أن الإنسان أياً كانت طائفته يجب أن يتحلى بقيم اجتماعية، وعندما يصبح هدف البرنامج الإنسان أولاً، يصبح السجن "شجرة الجميزة"، ومكاناً للتصالح والخلاص، ويصير بالتالي نقطة تحول اجتماعي وأخلاقي وقانوني في حياة السجين.

المدخل لهذه العدالة التصالحية تبدأ بالخضوع لجلسات البرنامج وهي ثماني جلسات، مدة كل منها ساعتين، وتضم كل جلسة 10 إلى 12 سجيناً من بيئات مختلفة.

الجلسة الأولى هي لتعريف السجناء على العدالة التصالحية والدورة. أما عنوان الجلسة الثانية فهو الجريمة، ومن خلالها تبدأ مساعدة السجناء المشاركين، حتى يفهموا تداعيات الجريمة على الضحايا والمجتمعات.

الجلسة الثالثة تتمحور حول المسؤولية، وتدعو إلى التحمل المباشر للمسؤولية بما يخص الأضرار التي تسبب بها السجين لضحيته.

لتبدأ مشاركة التجارب بين السجناء والضحايا، في الجلسة الرابعة، مع التفكير في سبل الاستجابة، وصولاً إلى الجلسة الخامسة وعنوانها التسامح، والتي تساعد السجناء والضحايا المشاركين في النظر في معنى وفوائد السماح والمسامحة.

أما عنوان الجلسة السادسة فهو التعويضات، وينتقل من خلالها السجين إلى خطوة عملية لإصلاح الضرر الذي تسبب به.

وتكون الجلسة السابعة لبناء السلام ومساعدة السجناء على حل الصراعات سلمياً، ليختتم البرنامج بجلسة التخرج والاحتفال، التي تشجع الضحايا والسجناء المشاركين للتفكير والاحتفال بنظرتهم ووعيهم الجديد بما يخص الجريمة والشفاء.

شهادة البرنامج الإصلاحي
ينال السجين في نهاية هذه الجلسات شهادة تخرج، تسجل في إدارة السجن، بناء لموافقة مسبقة من قبل النيابة العامة التمييزية، والمديرية العامة للسجون في وزارة العدل، ومدير عام قوى الأمن الداخلي، وتوثق الشهادة في ملف السجين مع صورة له خلال نيلها، كإثبات رسمي على خضوعه للبرنامج الإصلاحي، لضمها إلى ملف طلب تخفيض عقوبته، ولكن بشرط أن لا يكون قد خالف قواعد سجنه بعد نيله شهادة التخرج.

ويؤكد الأب غانم أن الالتزام بالجلسات وتأكيد الحضور يعطي بعداً قانونيا للبرنامج، لأن المسؤولية تجاه الجرم، والاعتراف بالخطأ الذي ارتكب، يشكل فضيلة بالنسبة للقاضي ليأخذ بالأسباب التخفيضية من دون أن يعفيه من الجرم. علماً أنه بعد إنتهاء الجلسات الثمانية، يخضع السجين إلى دورة اجتماعية نفسية ثانية، يكون عنوانها كيفية تعاطي السجين وتأقلمه مع الآخر في سجنه، وكيف يعمل على حل النزاع مع الآخرين.

يضمن البرنامج كما يقول غانم نتائج إصلاحية للسجين، حتى يصل إلى قناعة حول الخطأ الذي ارتكبه، ويسعى للخلاص منه. وهنا نشهد على حالات يتصل فيها المعتدي بالمعتدى عليه وعائلته، التي قد لا تتقبله في المرحلة الأولى. ولكن وصلنا إلى حالات صار فيها أهل الضحية أحيانا يزورون المعتدي في سجنه. كما أن هناك حالات أرسل خلالها السجناء الرسائل إلى أهل الضحية. وهؤلاء استفادوا من تخفيضات على عقوباتهم وخصوصاً من أمضى فترة طويلة من الحكم، ولا زالت تنتظره سنوات أخرى.

يعمل في هذا البرنامج حاليا نحو 200 شخص متطوع من تلاميذ الجامعة اللبنانية، والجامعة الأميركية، والاكليريكية البطريركية المارونية، إلى متطوعين مدنيين. وقد نال البرنامج تنويها من أخوية السجون العالمية، لما أثبته من فعالية ونشاط في السجون اللبنانية، إلى التنويه من المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي على الالتزام بالبرنامج.


أخبار ذات صلة

0 تعليق