"البطولة النسائية" .. أفلام تستثمر "غواية الجسد" لجذب الجمهور

محمد بنعزيز

الثلاثاء 01 أكتوبر 2019 - 04:45

على واجهة مركب سينمائي في كازابلانكا "أفيشات" اثني عشر فيلما جديدا، ثلثاها تنهض ببطولتها شابات من خارج الفضاءات النسائية التقليدية. أفلام تعرض بورتريهات نساء لمجتمع ما بعد حداثي تبتعد فيه المرأة عن المطبخ. بورتريهات نسوية بجمال فتان وقوة عضلية ساحقة تضمن النصر.

في فيلم كراول Crawl 2019 للمخرج الكسندر أجا البطلة (أداء كايا روز همفري 1992) في مأزق لأن الأحداث تجري في مكان مغلق وفي زمن ضيق. هذان شرطان أساسيان لكل توتر سردي. هناك خطاطة سردية مقروءة للمتلقي في سياق مقروء.

السياق: تعيش ولاية فلوريدا إعصارا مدمرا، فيضانات وحوادث سيارات...يبني السكان ملاجئ يلوذون بها. السينما تدخل على الخط. يشتبك المخرج مع اللحظة ويستخدم هذا السياق لحسابه، وبالتالي يعفي سرده من الشروح التي تكسر إيقاع السرد. النازلة أن ملجأ بيت أسرة مفككة ستقتحمه حيوانات برمائية مفترسة.

يرتفع الماء ثلاثة أمتار وتغرق الملاجئ وهذا يفرض على الفرد أن يخرج من مخبئه ليتنفس فينكشف مرغما للعدو المفترس.

cc1d62fbc3.jpg

في ذلك المكان الضيق شابة تحاول إنقاذ أبيها رغم علاقتهما السيئة. العلاقة أعمق من الخلافات العابرة في أسر مفككة. يهيمن معجم الافتراس على حوار السباحة ووالدها.

في ذلك المكان الضيق تنجح حيل السرد وألاعيبه في أن تنصب كمائن استثنائية مشوقة للمتفرج. كمائن وفخاخ ومطاردات وجولات شد أنفاس للهروب من الموت. وبين هدنة وأخرى يلوذ الفرد بمخبئه ليحدث نفسه، في خلوته الإجبارية.. يحاسب البطل ماضيه لتصفية علاقته بنفسه وبمن حوله.

في فيلم "كراول" حبكة ذات إيقاع سريع، حبكة تنبض بالحياة وتندفع إلى الأمام بقوة، خاصة في النصف الثاني من الفيلم، بفضل وضوح أسباب الصراع. صراع من أجل البقاء. صراع حياة أو موت.

2f482bb704.jpg

يمكن تعلم الكثير عن فن السرد في الأفلام التجارية المحبوكة باحترافية. المخرج ابن ناقدة سينمائية ومخرج سينمائي.

بخلاف أسلوب فيلم "كراول" قدم المخرج الفرنسي لوك بوسون LUC BESSON فيلم "آنا" عن جاسوسة روسية. فيلم فيه لمسة تعقيد سرد فرنسية تشوش على المشاهد.. يحكي المخرج حدثا، ثم يرجع للوراء ليخبرنا بأن هناك سرا ناقصا.. يكشف لنا السر بواسطة الفلاش باك. وكأن كل هذا لا يكفي، فيكتب المخرج تباعا على الشاشة: بعد ثلاث سنوات، قبل خمس سنوات... تكرر ذلك أربع مرات على الأقل. هذا قفز زمني متكرر يضعف انسيابية الحكي واحتمالية تصديقه.

"آنا" فيلم مشتت زمنيا ومكانيا طيلة ساعتين. تعشق آنا الشطرنج، لكن حبكة سيناريو الفيلم بعيدة عن قواعد الشطرنج كما شرحها سوسور وبارت وبروب. يجري فيلم آنا المفكك في أمكنة جد متباعدة وفي سياق جيوسياسي مجهول وغريب عن متفرج شاب وغير مسيس؛ وهذا ما يعقد تماهي المتفرج مع الشخصية الرئيسية، لا يفهمها جيدا. ولتسلية غير المسيسين يقدم الفيلم شخصية دمية خارقة ذات جمال مفرط مدهش، وهي تنجو من مطاردة جيش بكامله، تغادر مقر الكاجيبي بأسلوب عجيب لا يصدق.

b7b03d7af8.jpg

آنا (Mم مثل موسكو) جاسوسية روسية تحفظ تشيكوف واستشهادات كاسباروف ويعشقها في آن عميل الكاجيبي وعميل السي آي إيه.. حققت معجزة. هذه لا تشبه "آنا كارينين" التي أبدعها تولستوي واقتبسها للسينما بنفس الاسمJoe Wright سنة 2012. آنا ابنة ضابط تقتل بلا رحمة، لذا لا تملك جاذبية آنا تولستوي الرومانسية الوديعة في مجتمع إقطاعي. آنا موسكو بطلة خارقة سطحية أشبه بإنسان آلي.

هكذا تتجلى البطولة النسائية على الشاشة في 2019، سباحة تسبق التماسيح، جاسوسة لا يصيبها الرصاص حتى لو طاردها جيش بكامله. تظهر البطولة النسائية الخارقة أيضا في فيلم "دورا" 2019 من إخراج جيمس بوبين. تعثر دورا على المدينة المجهولة حيث الثروة الرهيبة. دورا تعشق الأدغال وكأنها مؤنث ماوكلي بطل "كتاب الأدغال".

676c9b991f.jpg

هكذا تستثمر الأفلام البطولة النسائية على أمل جذب الجمهور بغواية الجسد.

كانت البطولة نسائية في السرد القديم مع زوليخة، عاشقة يوسف، ودليلة التي حطمت قلب شمشون، وهيلانة عاشقة باريس، وشهرزاد التي تم التركيز على حكمتها ومهاراتها الحكائية. صحيح أن شهرزاد ليست مجرد راوية بل كانت ذات "جمال وبهاء وقدّ واعتدال"، حسب مطلع "ألف ليلة وليلة"، لكن دارسي السرد القديم ركزوا على حكاياتها لكي لا يهيمن الحديث عن جسدها على المتن. أما في السرد السينمائي، والذي يستهدف العين أكثر من الأذن، فقد احتل الجسد النسائي مقدمة المشهد كما في أفلام "آنا" وSUPERSTAR من إخراج الباكستاني Mohammed Ehteshamuddin ودورا 2019 التي انتقلت من شخصية رسوم متحركة إلى فيلم فيه شابة سمراء فاتنة (إزابيلا مونر) بجسد ممتلئ.

لقد تم حجب وذم جمال الجسد مصدر الغواية الأولى والأخيرة لصالح القول الحكيم حتى وقع تحول في عصر النهضة في الرسم الأوروبي بين 1400 و1600م. قبل ذلك التحول وضع سقراط معيار القيمة:

"تكلم حتى أراك".

في الاتجاه نفسه حذر القرآن من الإعجاب بأصحاب الأجسام الجميلة يصدر عنها قول خشبي. من جهتها ركزت الأيقونات القديمة على الجزء العلوي من الجسم، على "الجزء الشريف" الطاهر.

4501721714.jpg

بعد النهضة الأوروبية، وخاصة في العصور الحديثة، علا شأن الجسد بشكل غير مسبوق. في القرن التاسع عشر تقوى الاهتمام بالجسد كما في لوحات فرانسيسكو غويا وفي مادة علم الفراسة (الفرينولوجيا) أي دراسة شكل الجمجمة بوصفه مؤشرا دالا على الشخصية والملكات العقلية. وفي السياق نفسه ليس صدفة أن نهود النساء أكثر من حجم الرأس في بعض لوحات بابلو بيكاسو. وحاليا على مواقع التواصل الاجتماعي صار تقاسم السيلفيات ببهجة علامة على رضا الفرد عن جسده.

كان مؤمن العصور الوسطى يقهر جسده بالصوم والصلاة الطويلة، وقد أعلن القديس سان فرانسوا أن الجسد عدو صاحبه. لذا جرى التنكيل بالجسد لكبح النفس الأمارة بالسوء. أما في إنسان العصر الحديث فيدلل جسده بالرياضة والماساج والماكياج ليمتع النفس.

حاليا صار الجسد معيار تقييم.

في السينما اليوم تركز الكامير على المظهر الجسماني للشخصية، على النقطة الفاصلة بين الصدر والركبتين كما في الكادر الأمريكي Americain shot. طبعا ليس كل الناس فلاسفة لذا يحكمون على بعضهم البعض بالجسد لا بالكلام. الكاميرا أيضا لا تتفلسف.. تلتقط الجسد أساسا.. جسد نساء بجمال خارق وقوة عضلات ساحقة.

الكاميرا ليست سقراطية، تبلبلها الكلمات وتبهجها تضاريس الأجساد.. أجساد نساء فاتنات وخارقات.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق فيديو... كوبرا سامة تأكل ثعبان ضخم
التالى فيديو.. التريلر الأول لـ فيلم Cats المقرر عرضه الشهر المقبل