الأزهر يعلق على فتوى تكفير تارك الصلاة وحرمة الأكل من أضحيته

صدى البلد 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

قال مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، إنه مع عظم فريضة الصلاة، وحرمة تركها أو التكاسل عنها فإنه عند الكلام عن حكم تاركها وحكم أكل ذبيحته لا بدّ من التفريق بين أمرين، الأول: هو ترك الصلاة جحودًا لفرضيتها، والثاني: تركها تكاسلًا مع الاعتراف بفرضيتها.

حكم تارك الصلاة 

وأوضح «الأزهر» في إجابته عن سؤال: «ما حكم أكل أضحية من لا يُصلِّي، والردُّ على مُكفِّر تارك الصلاة، مُحرِّم أضحيته وذبيحته؟»، أن من ترك الصلاة جاحدًا لها، ظانًّا أنها لا تنفعه وتركها لن يضرّه، منكرًا لفرضيتها فهو منكرُ معلومٍ من الدين بالضرورة، ويتحمل ما يترتب على ذلك ممّا يُقدِّره القضاء والحاكم في شأنه.

وأضاف: أن من ترك الصلاة تكاسلًا مع اعترافه بتقصيره وذنبه فهو مسلمٌ آثمٌ مرتكب لكبيرةٍ من كبائر الذنوب غير كافر أو مرتد، وهذا قول جماهير الفقهاء من السلف والخلف كالأئمة أبي حنيفة ومالك والشافعي، والإمام أحمد في إحدى روايتيه، وغيرهم.
وتابعت: ولو أدّى تاركُ الصلاة تكاسلًا غيرَ الصلاة من الفرائض برئت ذمته من الفريضة التي أداها، وسقطت عنه بالأداء، والقبول بيد الله، وكذا الأمر لو ذبح أو ضحّى فلا حرج أن تؤكل ذبيحته ولا إشكال.

حكم الأكل من أضحية تارك الصلاة

وأفاد: أما عن القول المُنتشر على صفحات مواقع التواصل هذه الأيام والقائل بكفر تارك الصلاة تكاسلًا، وحرمة أكل أضحيته وذبائحه؛ فهو اختيار فقهي فيه مغالاة، يخالف سماحة الإسلام ويسره، ويحجر الواسع، ويبث الريبة في نفوس المسلمين، ويشعل الفتن بينهم، ويفرّق وحدتهم، ويغلق باب التوبة والرجوع إلى الله سبحانه.

وواصل: فضلًا عن أنه قول فقهي مرجوح لا راجح، وأدلته مردودة بمقتضيات أدلة أخرى، كقول الحق سبحانه: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا» [النساء:48] فالآية تثبت أن الذنب الوحيد الذي قطع الله عز وجل بعدم غفرانه هو الشرك بالله، أما ما دون ذلك ففي مشيئة الله، يغفره إن شاء سبحانه.

وأردف: وكذا قول سيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ» [أخرجه أبو داود]، وقوله صلى الله عليه وسلم -أيضا-: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لاَ إِلٰهَ إِلاَّ الله، وَأَنَّ مُحَمَّدا رَسُولُ اللّهِ. حَرَّمَ الله عَلَيْهِ النَّارَ». [أخرجه مسلم]، وأدلة هذا القول كثيرة، هذا طرف منها.

ونبه على أن استدلال باعث هذا القول من جديد بقول الله سبحانه: «وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ» [التوبة:5] هو استدلال في غير محله، ووضع للدليل في غير موضعه؛ إذ الآية قد نزلت في المنافقين عقيدةً الذين يأتون الصلاة كسالى، لا لأنهم يرجون منها الثواب، أو يخافون في الآخرة العقاب، بل يؤدُّونها خشيةً على أنفسهم من المؤمنين أن يكشفوا حقيقتهم؛ فكيف يُستدل بها فيمن ترك الصلاة تكاسلًا من المسلمين المقرِّين بالإيمان وإن عصوا؟!.

رأي القدامى في تارك الصلاة

ونقل الأزهر قول الإمام ابن قدامة المقدسي الحنبلي يرجِّح الرِّواية الوراردة عن الإمام أحمد والحاكمة بإسلام تارك الصلاة تكاسلًا؛ سائقًا على قوله العديد من الأدلة، يقول الإمام رحمه الله بعد سوقه الأدلة: «.. فإنَّا لا نعلم في عصر من الأعصار أحدًا من تاركي الصلاة تُرِكَ تغسيلُه، والصلاةُ عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ولا منع ورثته ميراثه، ولا مُنِع هو ميراث مورثه، ولا فُرِّق بين زوجين لترك الصلاة من أحدهما، مع كثرة تاركي الصلاة، ولو كان كافرًا لثبتت هذه الأحكام كلِّها، ولا نعلم بين المسلمين خلافًا في أن تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها، ولو كان مرتدًّا كما يزعم البعض، لم يجب عليه قضاء صلاة ولا صيام.

وواصل: أن ابن قدامة قال أيضًا في كتابه «المغني»: وأما الأحاديث المتقدمة -أي الدَّالة على كفر تارك الصلاة كقوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ» [أخرجه مسلم]- فهي على سبيل التغليظ، والتشبيه له بالكفار في أنّهم لا يصلّون، لا على الحقيقة، كقوله عليه الصلاة والسلام: سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر. وقوله: كفر بالله تبرؤ من نسب وإن دق. وقوله: من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما. ومن قال: مطرنا بنوء الكواكب، فهو كافر بالله، مؤمن بالكواكب. وقوله: من حلف بغير الله فقد أشرك. وقوله: شارب الخمر كعابد وثن. وأشباه هذا مما أريد به التشديد في الوعيد، وهو أصوب القولين).

من أفتى بكُفر تارك الصلاة

ونبه على أن مع عدم رجاحة القول بكفر تارك الصلاة تكاسلًا فإنّ من نحا إليه من الفقهاء القدامى -وهم قلة- قد رجح ما رجحته أدلته بالنظر والاستدلال مع ترسيخه ضوابط كثيرة تضمن سلامة المجتمعات، وتتحرز عن تكفير مسلم بشبهة، ففي الفقه الإسلامي بشكل عام نكير شديد على استباحة دم من ثبت له الإسلام بيقين.

وأبان: وعليه فلا تلازم لدى هؤلاء الفقهاء وغيرهم بين وصف الكفر واستباحة الدماء، ولا يعني وصف الكفر عندهم -أيضا- تكفير معين من الناس إلا بعد استيفاء شروط وانتفاء موانع للكفر مع إناطتهم هذه المهمة بولي الأمر أو من ينيبهم كالقضاة؛ حتى يأمن الناس، وتستقر المجتمعات.

وأردف: ويجدر التنبيه إلى أن القول بحلِّ أكل ذبيحة تارك الصلاة وأضحيته لا يعني التهوين من أمر تركها والتكاسل عن أدائها، فترك الصلاة كبيرة عظيمة، توعد الله أهلها بأشد العقاب؛ قال تعالى: «فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ *الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُون» [الماعون:4-5]، والويل هو: وادٍ في جهنم ـ نسأل الله العافية.

واستطرد: قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَح،َ وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِر..» [أخرجه الترمذي وغيره]، وقال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «..وَلَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاة..» [أخرجه مالك في الموطأ].

ووجه رسالة قائلًا: «فحريٌّ بناقلي الفتاوى عبر مواقع التواصل وشبكات المعلومات أن يتخيّروا ما ينقلون، وأن يتحروا الدقة، والأمانة في النقل، والنظر في عواقب الأمور ومآلاتها، ونذكرهم بأن الدعوة إلى الله تعالى ينبغي لها حكمة تُرغِّب البعيد وتقرِّبه، وتثبِّت القريب وترقّيه، لا تزيد المرء بُعدًا وجفاءً».

وشدد على أنه لا حرج في بيان سوء عاقبة تارك العبادات بعد دعوته ترغيبًا وترهيبًا مع الالتزام بالضوابط والآداب؛ ولكنّ الحرج كلُّ الحرج في إيصاد باب التوبة، وقطع سبل العودة، وتقنيط العباد من رحمة الله سبحانه، والله سبحانه يقول: «قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم» [الزمر:53].

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق