الأهالي: «الزحام.. وقوائم انتظار الاختبارات أكثر ما نعانيه»

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

اشترك لتصلك أهم الأخبار

فوق كراسى معدنية ومقاعد خشبية أمسكت كل أم بالورقة المدون عليها رقم الدخول، فى انتظار أن تنادى الممرضة على الاسم، لتهرول بصغيرها نحو العيادة.

كراسى ومناضد ملونة، يتراص حولها الأطفال تتيح لهم حرية الحركة، التى يراقبها الطبيب عن كثب، قبل الاستماع لمرافق الطفل عما يعانيه، قبل أن يبدأ فى اختباراته، للوقوف بدقة على ما يعانيه الطفل.

غرفة أخرى معلق على حوائطها عدد من اللوحات الورقية، عليها رسومات ملونة، هى ساحة لجذب الأطفال، ولممارسة بعض الأنشظة الترفيهية المتاحة فى الوحدة، وفى إطار قدراتها المحدودة، هكذا بدت ملامح وحدة الأطفال فى مستشفى الصحة النفسية بحلوان.

زحام شديد يصيب الجميع بالضجر، وتمر الساعات وقد سئموا طيلة الانتظار، فجلسة كل طفل تستغرق بين ساعة ونصف وساعتين، وأحيانا يتم الاستفادة من عقد جلسات جماعية للأطفال، كنهج للعلاج ولتقليل الزحام فى ذات الوقت.

بين حين وآخر تتجه الأمهات نحو مكتب ممرضة العيادة، المعروفة باسم «بيت الألوان»، لترقب دورهن، وبدت عليهن علامات الإرهاق من صعوبة السيطرة على الأطفال، لدرجة دفعت بعض الأطفال لمحاولة الفرار من ذويهم، والخروج خارج الوحدة للساحة الأوسع المقابلة لها فى قلب المستشفى.

فى المقابل تجذب الأمهات الأطفال بعنف لداخل الوحدة، فلا ترغب أى واحدة منهن فى مفارقة الوحدة لدقيقة واحدة، خشية أن تنادى الممرضة على اسمها، ولا تسمعها، فيضيع عليها دورها فى الدخول، فى حين نجحت أمهات آخريات فى التغلب على تلك المشكلة، التى طالما عانين منها، وأصبحن يصطحبن لعبا لتسلية الأطفال بها.

فضلًا عن أن بعض الأطفال أصابهم الجوع، وحالت القدرة المادية لدى البعض، دون شراء وجبات لهم أو حلوى من المتاحة داخل المستشفى، لكونها أغلى بكثير من سعرها فى الخارج.

«المفروض اللى يجيى يجيب أكل معاه»، هكذا علقت إحدى الأمهات، التى جاءت من منطقة (الصف)، للكشف لأول مرة على طفلها البالغ من العمر 5 سنوات، ويعانى حسب تعبيرها من فرط الحركة وعدم التركيز، كما يعانى من عنف شديد: «لما بيضرب حد مش بيسيبه غير لما يطلع شعره فى إيده، ولما بعاقبه لازم يكسر أى حاجة قدامه».

متابعة الأم لبرامج الأطفال التى أكدت أن هناك أطفالا تعانى فرط الحركة من الممكن علاجها هو ما لفت انتباهها، ورفع لديها مستوى الوعى بإمكانية علاج الصغير، ولأنها لن تتمكن من عرضه على طبيب أو المتابعة فى عيادة خاصة، فكان لا بد من عرضه على الأطباء النفسيين فى مستشفى حكومى، وكان مستشفى «حلوان» الأقرب إليها.

حاول الطفل جذب الألعاب التى يلهو بها الصغار من حوله: «لو أعرف كده كنت جبت له حاجة يلعب بيها معايا، معرفش أننا هنقعد طول المدة دى ويا عالم هندخل ولا لأ»، هكذا علقت الأم، بصوت غلبه الانكسار، بعد أن كادت تفقد الأمل فى الدخول، لكونها من التذاكر الاحتياطية فى الدخول.

جلابية يعلوها خمار، هكذا بدت ملابسها، والتى نمت عن وضع اجتماعى متواضع، روت أن زوجها أرزقى، ولم يتمكن من القدوم بالطفل، لأنه: «ما بيصدق يجى له شغل»، كما لتلك السيدة طفل آخر أصغر سنًا، تركته مع جارتها لترعاه لحين عودتها: «اليوم طويل ومش معايا رصيد أرن أطمن على أخوه.. بس ربنا يكمل اليوم بفايدة وأعرف أدخل».

هم آخر كانت تحمله الأم وهو أنها سوف تتكبد مصاريف أخرى للانتقال من «الصف» إلى «حلوان»، للقدوم بالطفل مرة أخرى: «عملت حسابى على 30 جنيه، أجرة الطريق، ليا 4 أيام بحوش فيهم، ومش عاوزة أمد إيدى عليهم علشان أعرف أجى بالواد، ولو رجعت بيه من غير كشف ولا هعرف أحوشهم تانى».

بدأت الأم تستغل الوقت فى التعرف على نظام الوحدة، وعرفت أنها من الممكن أن تجرى اختبارات نفسية للأطفال بأسعار رمزية مقابل المراكز الخاصة فى الخارج، كما أنهم يعقدون جلسات إرشادية للآباء.

لكن قدرات الوحدة لم تكن شاملة لكل ما يحتاجه علاج الطفل، حيث لجأت إحدى الأمهات، التى تتردد على العيادة إلى أحد المراكز الخاصة، لتنمية مهارات ابنها، وفقًا لطلب الطبيب، والذى ساعدها فى اختيار مركز يقرب من مسكنها.

وهناك يلهو طفلها بالمكعبات والألعاب التعليمية والفنية، التى تساعده على تكوين وتشكيل الاشياء والتفاعل معها، ولكنه أرهق ميزانية أسرتها، حيث يلزمها المركز بدفع 35 جنيها عن كل نصف ساعة.

وأكدت أن الطفل يظل يُعرض على طبيب الوحدة أكثر من مرة، حتى تأخذ الوحدة قرارًا بفتح ملف متابعة له، ومتاح للأهالى اختيار الطبيب الذى يرتاحون له، لمتابعة حالة الطفل معه، بعد معرفة مواعيده.

ومع قرب انتهاء يوم العمل فى الوحدة، صاحت الممرضة فى الأهالى: «الدكاترة مش هيقدروا ياخدوا أكتر من العشر حالات الجداد.. الاحتياطى يرجع التذكرة». تنتفض عشرات الأمهات من فوق الكراسى: «بعد كل ده»، لترد الممرضة: «إحنا قايلين لكم احتمال تدخلوا مش أكيد».

وفى مبادرة شخصية لاحتواء غضبهن اصطحبتهن لشباك التذاكر، وطلبت من الموظفة تدوين أسمائهن للمرة القادمة، لتكون لهن الأولوية شريطة القدوم فى ساعة مبكرة، وعدم الاعتماد على هذا التدوين وحده.

وفى وحدة «بيت الشمس» بمستشفى العباسية للصحة النفسية، شكلت الأمهات تجمعات نسائية، لتبادل الخبرات فى علاج أطفالهن، الذى استغرق لدى بعض الحالات سنوات.

فى حين كان يلهو الأطفال أمام أعينهن، لدرجة ساهمت أيضًا فى تكوين صداقات بين الأطفال وبعضهم البعض، دفعت الأمهات لاختيار نفس مواعيد الجلسات، كى يتمكن الأطفال من رؤية بعضهم البعض.

«بصراحة تعتبر دى الخروجة الوحيدة اللى بنخرجهم فيها»، بتلك الكلمات علقت إحدى الأمهات، على زيارتها المتكررة للوحدة، مؤكدة أن طول ساعات الانتظار قارب فى العلاقات الإنسانية بين المترددين على الوحدة.

فى حين فضلت إحدى الأمهات المكوث بمفردها فى أحد جوانب الوحدة، وقد بدت مرهقة بعد أن مالت برأسها، لتتكئ على راحة يدها وقالت بصوت خافت: «حاسة بصداع شديد.. ما أخدش الجرعة قبل ما انزل، ولسه مشوارى طويل لحد كرداسة».

نزلت الأم فى ساعة مبكرة من منزلها، وجاءت لاستكمال جلسات ابن زوجها فى الوحدة، حسب الموعد المقرر له فى ملفه، وقالت: «أعانى من تشنجات صرعية، وزوجى كذلك، انفصلت عنه زوجته تاركة له طفلين بعد أن أقعده المرض عن العمل، وتزوجته لنيل ثواب تربية الطفلين، وأصبحت أنا المسؤولة عنهم جميعًا، خاصة بعد أن أشتد به المرض، توليت أنا مهمة القدوم بابنه للمستشفى فى كل جلسة، حتى لا يضيع علينا العلاج الذى نصرفه له من المستشفى».

بدأت رحلة العلاج فى الوحدة بالكشف على الطفل وفتح ملف له، طلب دكتور الوحدة فى أول كشف عمل رسم مخ له: «كان بـ30 جنيه مقدرتش ادفعهم رحت بورقة للمدير واخدت إذن أعمله عندهم ببلاش».

لكن الفحوصات المطلوبة لم تنته فقد طلب الطبيب أيضًا اختبار فرط حركة: «عزة نفسى منعتنى أروح للمدير بورقة تانى، وقلت استنى دورى ليا شهرين بتاع مع الممرضة فى كل زيارة وعلى التليفون، تقول لى لما يجى دورك هنتصل بيكى».

هكذا توقفت الفحوصات عند قائمة الانتظار، لكنها لم تنقطع عن الجلسات، فأى ترحيل فى موعدها ليس من مصلحة الطفل و«دوخة لأهله»-على حد تعبيرها. وعلى حجر خرسانى جلست سيدة تحمل طفلًا لم يتجاوز من العمر عامين على كتفها وقد استغرق فى النوم، حاولت إفاقته لبدء أولى الجلسات بعمل بحث اجتماعى، أجابت فيه على عدد من الأسئلة، اللازمة لتشخيص حالة الطفل، ورغم أن البحث استغرق نحو ساعة إلا الربع، إلا أن الأم خرجت من الوحدة وهى فى حالة من عدم الرضا: «جيت وقعدت بالواد فى الجو شوية برد وشوية شمس وفى الآخر ما شافهوش الدكتور، ولا عارفه هعمل ايه بعد كده».

الكاتب

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق