مسلسل تشيرنوبل: كيف تصنع الأكاذيب أكبر الكوارث؟

المصرى اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

لاقتراحات اماكن الخروج

إذا كنت من مشاهدى أفلام الخيال العلمى الأمريكية ففى الأغلب مر أمامك مشهد انفجار قنبلة نووية أو مفاعل أو صاروخ ذى رأس نووى عشرات المرات، ورسخ المشهد في ذهنك بأن الانفجار النووى طاقة ضوئية وحرارية عظيمة تنطلق لتشقق السماء وتقتلع ماحولها من أرض وبشر في مشهد مهيب ثم يسود الصمت، لقد وقعت الكارثة ومات البشر فورا وانتهى الأمر، انس كل ذلك فما ستراه في مسلسل chernobyl «تشرنوبيل» الذي أنتجته شبكة HBO الأمريكية في خمس حلقات سيجعلك ترى الأمر من زاوية أخرى، ربما لم تخطر لوهلة في ذهنك وأنت تنوى مشاهدة مسلسل عن انفجار المفاعل النووى الروسى الشهير، تفاصيل الموت الحقيقى البطىء والمستمر منذ انفجر المفاعل ليلة 26 إبريل 1986 وحتى الآن.

المسلسل يبدأ بمشهد لعالم الفيزياء النووية فاليرى ليجاسوف (جاريد هاريس) وهو يسجل شهادته عن انفجار المفاعل على شرائط كاسيت ويختتمها بالجملة التي تلخص كل شىء «الخطر الحقيقى أنه إذا سمعنا ما يكفى من الأكاذيب لن نستطيع تمييز الحقيقة».

فالحياة في نظام يدعى المثالية والكمال في كل شىء، نظام لا يقبل المناقشة ولا يقبل سماع صوت إلا صوته لا بد أن يكون قائما على سلسلة من الأكاذيب تنتهى بالجميع لكارثة محققة. ينهى ليجاسوف مذكراته ويشنق نفسه ليعود بنا المشهد للحظة انفجار المفاعل، هرج وتوتر داخل غرفة التحكم في المفاعل بعد حدوث خطأ في إحدى تجارب الأمان داخل مفاعل تشرنوبيل الشهير، المهندسون الأقل رتبة يحاولون القيام بإجراءات الأمان المتبعة دون جدوى وسط تعنت مديرهم «دياتلوف» وإصراره على أن كل شىء تحت السيطرة، حتى وهو ينقل الصورة لمدير المفاعل الذي يحلم بالترقية يتفقان على إخفاء الأمر عن الكريملين والحزب وتصوير أضرار الانفجار بأنها الأشعة التي نجريها على الصدر، المواطنون يتجولون فوق أحد الجسور القريبة من المفاعل لمشاهدة قوات الإطفاء وهى تحاول إخماد النيران في مشهد مرعب دون أن يدرك أحد طبيعة ما يحدث، بقايا الشظايا تتطاير في كل مكان تدخل صدورهم وتلتصق بجلودهم، ذكرت الدراسات التي أجريت بعد الحادث أن جميع من كان على هذا الجسر لقى حتفه خلال عامين من الكارثة وحتى الآن يسمى المكان «بجسر الموت».

على الجانب الآخر، في مبنى الكرملين تنعقد لجنة برئاسة الرئيس الأسبق للاتحاد السوفيتى ميخائيل جورباتشوف لمناقشة المشكلة الصغيرة التي حدثت في تشيرنوبل، رئيس الوزراء، والحزب ومدير المفاعل الذي يدرك أنهم لن يستوعبوا ما في التقرير ولن يجرؤ أحد على الخروج عن السرب بالسؤال عن الأضرار، فالأمور مستقرة، ومنع الإعلام من تداول أي كلمة عن الانفجار، والحاضرون ليسوا علماء ليتناقشوا في التفاصيل، شخص واحد فقط دعى للاجتماع وقرأ التقرير ليرتفع صوته بالحقيقة، في اللحظة التي ارتفع فيها صوت «ليجاسوف» بأنه عالم ويدرك أن ما حدث يعنى انفجار قلب المفاعل وأنه إن لم يتم تدارك الأمر فستنتهى مناطق واسعة من القارة الأوروبية خلال ساعات، وفى مشهد من أجمل مشاهد المسلسل لحظة يقف فيها جورباتشوف ناظرا لهذا الشخص الذي يراه لأول مرة في نظرة تحمل مزيجا من التوعد بأسوأ مصير ولحظة يتغلب فيها الخوف من تحمل عواقب أن يكون هذا الصوت الوحيد هو الحقيقة.

يبدأ ليجاسوف مهمته بالتعاون مع نائب رئيس الوزراء بوريس شربينا، (النجم السويدى الأصل ستالان سكاسجارد)، بالذهاب إلى قلب المفاعل حيث تتضح أبعاد الكارثة الحقيقية وتنضم إليهم العالمة الروسية أولانا خاميوك ( إيميلى واتسون) لتقوم بتدوين شهادات جميع من تواجد في موقع المفاعل سواء المهندسين أو رجال الأطفاء في محاولة للوصول لما حدث، في الوقت الذي تضع الدولة جميع إمكاناتها تحت أمر ليجاسوف لإطفاء النيران المشتعلة في قلب المفاعل في عدد من المشاهد المذهلة إنسانيا فوسط كل الخوف وإدراك الناس لحقيقة ما يحدث لا يتردد عمال المناجم عن المشاركة في حفر أنفاق عند المفاعل لمحاولة إطفائه، ثلاثة شباب من المهندسين يعرفون أن مصيرهم الموت، لكنهم وبكامل إرادتهم، يدخلون المفاعل لفتح المياه لمحاولة تبريد المكان، عمال الإطفاء وتساقطهم واحتراق أجسادهم أثناء إطفاء النيران، وأكثر من 3000 عامل ساهم في تنظيف سطح المفاعل عقب الإطفاء بهدف بناء غطاء فولاذى يحيط بالمفاعل، وهو الغطاء الذي تم الانتهاء منه في مطلع التسعينيات وتكلف أكثر من مليار دولار ليحاول حجب الإشعاعات التي لا تزال تنبعث من المفاعل بنسب مرتفعة حتى اليوم.

ولكن على الرغم من كل الجهود التي بذلها الاتحاد السوفيتى لتدارك الحادثة إلا أن اللحظة الفارقة كانت وقت معرفة أن سبب انفجار المفاعل، لم يكن خطأ بشرياً فحسب، لكنه خطأ في تصميم جميع المفاعلات الروسية والتى سبق أن أشار إليها أحد المهندسين الذي تم التخلص منه فلا يجب أن تظهر روسيا أمام العالم بمظهر المخطئ مهما تكلف الأمر، ما حدث في تشيرنوبل يمكن أن يتكرر في 16 مفاعلا نوويا تنتشر في الجمهوريات السوفيتية ويتسبب في كارثة ستقضى على الكوكب بأكمله، ومرة أخرى نواجه التنازع ما بين الخوف والوعود بالمناصب والسلطة والرضوخ لضعفنا الإنسانى أمام المغريات، إدراك تفاهة كل هذه الأشياء، أن الموت قادم لا محالة أن كلمة واحدة مهما كانت عواقبها على هذا الشخص ستكون هي الفيصل في تغيير مصير ملايين من البشر، لم يصمد «ليجاسلوف» وفعلها مرة ثانية، لم يكن بطلا، ولم يكن محاربا لكنه كان إنسانا وعالما يقدر قيمة الحقيقة وسط دائرة الأكاذيب، لم يستطع الاتحاد السوفيتى التخلص منه بقتله بعد أن عرف العالم دوره في الحد من آثار كارثة تشرنوبيل فكان الاختيار نفيه ووضعه تحت الإقامة الجبرية، وبعدها بسنوات اضطر الاتحاد السوفيتى للاستجابة للضغوط الدولية بإصلاح تصميم مفاعلاته بعد انتشار تسجيلات ليجاسلوف بحقيقة ما حدث في تشيرنوبل.

على الرغم من أن مسلسل تشيرنوبل عرض مايو الماضى لكنه استطاع تحقيق ردود فعل واسعة عالميا وتم تصنيفه على موقع IMdB كثانى أفضل المسلسلات في تاريخ الدراما التليفزيونية بعد مسلسل لعبة العروش، ووصل الاهتمام بالمسلسل أن اجتمع عدد من مندوبى الأمم المتحدة مع فريق عمل المسلسل بالكامل لإحياء الذكرى 33 لانفجار مفاعل تشرنوبيل، وذلك بمقر الأمم المتحدة بنيويورك، وفى الوقت الذي أعلن فيه كاتب المسلسل كريج مازن بأنه بدأ البحث في جميع السجلات والتقارير الحكومية المتعلقة بانفجار مفاعل تشيرنوبل منذ عام 2014 وحرص أن تكون جميع شخصيات المسلسل من الشخصيات الحقيقية بجميع تفاصيلها باستثناء عالمة الفيزياء النووية أولانا خاميوك فهى شخصية أضيفت لأغراض درامية، ذكر تقرير صادر عن Hollywood reporter بأن روسيا تخطط لإنتاج مسلسل للرد على النسخة الأمريكية من المسلسل بأن انفجار المفاعل كان ناتجا عن مخطط من أحد عملاء الاستخبارات الأمريكية.

المثير أنه على الرغم من أن الأمم المتحدة أقرت بأن انفجار تشرنوبيل وخسائره التي تم تقديرها بأنها تتراوح بين 4 آلاف و93 ألف شخص، يعد أسوأ كارثة بشرية في التاريخ إلا أن روسيا حتى الآن لم تعترف بخسائر بشرية أكثر من 31 فردا فقط.

الكاتب

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق