أسبوع من حياة الراحل أنطوان حرب في "بوريفاج" الأسد

المدن 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في نهار من بدايات تشرين الثاني 1994 دعاني هاتفياً رتيب في الجيش اللبناني لتناول فنجان قهوة مع الرائد. كنافي التيار العوني قد تعودنا على مثل هذه الاستدعاءات، كتعودي على اعتقالي المتكرر منذ 1991، بعد انتهاء تطوعي في الجيش اللبناني نصيرا لحركة الجنرال ميشال عون. طمأنني الرتيب وقال إن لقائي مع الرائد لن يستغرق أكثر من ربع الساعة في المركز السابق لـ"القوات اللبنانية" الذي اتخذه الجيش اللبناني مقرا له بعد حل "القوات" ومطاردة محازبيها واعتقالهم.

نهار وليلة
على مدخل المركز أخذوا مني مفاتيح سيارتي، وقادوني إلى مكتب، فأقفلوا بابه وتركوني وحدي. كانت الساعة الحادية عشرة قبيل الظهر تقريباً، فراح الوقت يمر بطيئاً بطيئاً، وساعة بعد ساعة. طرقت الباب مرات وناديتهم، فلم يجبني أحد. متردداً اقتربت مرات من هاتف المكتب، ومددت إليه يدي لأتصل بأحد ما، فمنعتني حيرتي من استعماله. الساعات تمضي وأنا أتنقل بين المقاعد ومبدلاً عليها أوضاع جلوسي. أقف وأمشي قليلا، فيحاصرني الضجر ويرميني مجدداً على مقعد، فأغفو مخمّراً بالأرق. أفيق فتأخذني الغفوة مجدداً، كمن يغفو في منامه. صور لأهلي وللعالم الخارجي الذي غادرته كأنما من سنين، راحت تبتعد وتبتعد وتتلاشى في اليقظات الجلاتينية الثقيلة.

أيقظني ضوء النهار التالي رخواً بائتاً على وجهي المزيّت بدبق السأم والانتظار والإهمال. فُتح الباب فجأة ودخل منه ثلاثة رجال في ثياب مدنية، فقلت: هذه هي نصف الساعة؟! صامتاً اقترب مني أحدهم وأدخل رأسي في كيس من قماش، وأمرني أن أمشي، فمشيت، موقنا أنهم سيقودونني إلى وزارة الدفاع في اليرزة، ويحققون معي كما في مرات سابقة.

في الخارج قدّرت أنهم أدخلوني إلى شاحنة أو فان. آنستني قليلاً أصوات السيارات في الطرق التي ساروا فيها قرابة ربع الساعة، غابت بعدها الأصوات وتوقفت السيارة. سكوت هائل خيّم للحظات قطعتها أصوات فتحهم أبواب السيارة وغلقها. نزعت قليلاً كيس القماش عن وجهي، فرأيت صورة باسل الأسد على نافذة الفان المصفحة كلها بالحديد، بدل الزجاج. أيقنت أنني في قبضة المخابرات السورية.

كلاب الجنرال والبطريرك
أربعة رجال أو خمسة، ساروا بي في أمكنة شعرت أنها تحت الأرض. حين نزعوا كيس القماش عن رأسي في غرفة، انهالوا علي صفعاً ولكماً ورفساً وضرباً بأعقاب البنادق، شاتمين الجنرال ميشال عون والبطريرك مار نصرالله بطرس صفير. استمرت وجبة الضرب والشتائم الأولى أكثر من نصف الساعة، ثم جروني إلى زنزانة مشيّدة حديثاً إلى جانب قديمة لمحتها متماثلة في أحجامها. رموني في الزنزانة وأقفلوا بابها الحديد. من ثقوب في أعلاه يدخل ضوء شحيح لم يبدد عتمة الزنزانة، إلا بعد وقت مكّنني انقضاؤه من إبصار إصبعي في الظلام. خبط أقدام كثيرة على الأرض اقتربت من زنزانتي، تلتها وجبة الضرب والشتائم المسائية. وضعت رأسي بين ذراعي لأحميه من قبضاتهم وأقدامهم، فقال أحدهم: شو صاير عليك ليصير فيك هيك، اعترف، اعترف وخلص حالك. وقبل أن أقوى على سؤالهم: بماذا اعترف؟ خرجوا وأقفلوا الباب تاركين جسمي محطماً. رحت في نوم ثقيل لم أستيقظ منه إلا صباحاً، فاقتادوني إلى وجبة ضرب جديدة في غرفة، فمددوني على ظهري وتداوروا على ضربي بعصاً. بقع من الدم تلطخ جدران الغرفة. في وجبة الفلق الصباحية هذه، صرخ بي أحدهم: كلاب إسرائيل، عصابات التقسيم والفتنة، كلاب اليهود والجنرال والبطريرك.

ظهراً، رموا لي رغيف خبز ووعاء به مرق وعبوة بلاستيكية صغيرة قُطِع منها نصفها الأعلى وبها ماء آسن. حين طرقت باب الزنزانة طالباً الدخول إلى الحمام، جاؤوا وضربوني، فظللت يومين من دون أن أقضي حاجتي. وفي المساء أذاقوني وجبة جديدة من التعذيب، قالوا إنها الفروج: عار إلا من الكيلوت، وفي معصميّ كَلَبتان معدنيتان موصولتان بجنزير معلق في سقف الغرفة، وجسمي مشدود إلى عصا غليظة، عليها رفعوني عالياً وانهالوا عليّ بعصيهم التي راحت ضرباتها تؤرجحني في الجهات كلها.

في الليل، كلما غفوت كان أحدهم يخبط على باب زنزانتي عنيفاً، فينتفض جسمي المحطم وأستيقظ في حال من رعب مروع يكاد يوقف الدم في عروقي ويقطع انفاسي. وفي النهار الثالث قادني أحدهم إلى الحمام، فلمحت وجه شاب أعرفه: سامي خوري الذي كان مثلي جندياً متطوعاً في الجيش اللبناني بقيادة العماد عون. لمحته وخفت أن أناديه. وفي النهارات والليالي التالية صرت أسمع سامي ينادي صارخا: يا الله، فيجاوبه أحدهم: ما في الله هون ولاه، في نحنا وبس، قول بأمرك يا ريس، قول يا حيوان.
وقادوني إلى غرفة التحقيق، فأجلسوني على كرسي خشبية ورأسي داخل كيس قماش. أصداء كلماتهم أشعرتني أن الغرفة فسيحة خالية. سألني المحقق أسئلة مكّنته من معرفة الكثير من سيرة حياتي، ثم فاجأني قائلا: ليش حاطط متفجرات التي ضبطناها في سيارتك، لشو المتفجرات؟ لا متفجرات في سيارتي التي تركتها في عهدة الجيش اللبناني، جاوبته، فشتمني وشتم الجيش اللبناني، وقال: الجيش اللبناني وصرمايتي سوا.

قدّرت أنهم وضعوا متفجرات في السيارة، وأصررت على رفض التهمة، فانهال المحقق عليّ بكرباج، واستدعى الحراس، قائلاً لهم إن تجاوبي ضعيف، وليأخذوني. كوروا جسمي وسط دولاب شاحنة وراحوا يدحرجونه بينهم ويضربونني بالعصي ويرفسونني بأقدامهم، قبل أن يرتطم الدولاب بالجدار في آخر ممر طويل. كان رأسي لا يزال في الكيس فيما الدولاب يتدحرج بي مرات جيئة وذهاباً مرتطماً بالجدران، فانزاحت فقرة من عمودي الفقري من مكانها وتمزّق غضروفها، وحتى اليوم لم أُشفَ من هذه الإصابة التي تحتاج إلى علاج دائم.

الكرسي المكهرب
في النهار الخامس أو السادس، مجدداً في غرفة التحقيق. أجلسوني على كرسي الاستجواب وسألني المحقق عن دوري في قذف شاحنة عسكرية سورية في الحدث بقنبلة يدوية. لا علم لي بهذه الحادثة، قلت. ذكر نهار قذف الشاحنة بالقنبلة، وسألني عن مكان وجودي في ذلك النهار، في بلدتي تنورين، جاوبته. تلا قائمة طويلة من أسماء أشخاص، فتوقف لدى تسميته المقدم سمير يونس وسألني عن صلتي به، فقلت إنني لم أسمع باسمه قبل الآن. كنت أعرف المقدم سمير يونس، إبن بلدتي تنورين والمسؤول عني في الجيش اللبناني، حتى احتلال الجيش السوري قصر بعبدا الرئاسي في 13 تشرين 1990. لأنني لم أعترف بمعرفتي بأي من الأسماء، استدعى المحقق الحراس وقال لهم أن يأخذوني إلى كرسي الصدمات الكهربائية.

مكبل اليدين والرجلين ورأسي في كيس القماش، وجسمي عارٍ إلا من الكيلوت، أجلسوني على الكرسي، وخرجوا من الغرفة وتركوني وحدي. ميكروفون أمام فمي وسماعتان تكبّران الصوت تضغطان على أذني. مع الشحنات الكهربائية الأولى الخفيفة التي سرت في جسمي واستمرت نحو ثوانٍ عشر، سمعت أصوات أسئلتهم تحفر في داخل رأسي. ظللت صامتاً متحملاً قوة الصدمات الأولى ومصمماً على عدم الكلام.  

الدفعة الثانية من الشحنات اجتاحت أعضائي كلها قوية لمدة 20 ثانية تقريباً. حاولت أن أصرخ، فلم أستطع، كأنما كل عضوٍ في جسمي تعطل فجأة، سوى حاسة البصر. حتى التفكير شُلّ في رأسي الذي تخدّرت أعصابه أو تنملت. وجيب خاطف مرتج سرى في عضلاتي، كأنها تتمزق من الداخل. عبثاً قاومت حال الانهيار وفكرة نهايتي. عبر السماعتين على أذني  سمعت اسميّ بيار أبي رعد ونضال حرب اللذين أعرفهما، وأعرف أنهما سافرا للعمل في الإمارات العربية المتحدة، وقال الصوت إننا نفذنا عملية رمي الشاحنة العسكرية السورية بقنبلة يدوية في الحدث.. وجاءتني الدفعة الثالثة من الشحنات الكهربائية، أُغمي عليّ.

حين أفقت لم أعلم كم من الوقت مضى مغمىً عليّ منطرحاً أرضاً، مبللاً بالماء. جسمي رخو من الداخل، جلدي مقدّد ويتنمّل، وموشك على التشقق، وأعصاب رأسي أو خلاياه متخشبّة. قرّبوا كوب ماء من فمي، فلم أستطع تحريك فكيّ المنطبقين، فوضعوا قشة بين شفتي المتخشبتين، فلم أقوَ على امتصاص الماء. وسال اللعاب من فمي والمخاط من أنفي، غزيرين كالبول الذي انهمر لا إرادياً من مثانتي.


إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق